إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

354

الإعتصام

الثالث ما سكتت عنه الشواهد الخاصة فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه فهذا على وجهين أحدهما أن يرد نص على وفق ذلك المعنى كتعليل منع القتل للميراث فالمعاملة بنقيض المقصود تقدير إن لم يرد نص على وفقه فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر فلا يصح التعليل بها ولا بناء الحكم عليها باتفاق ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله والثاني أن يلائم تصرفات الشرع وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله ولتقتصر على عشرة أمثلة : المثال الأول : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جمع المصحف وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضا بل قد قال بعضهم كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إلى أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وإذا عنده عمر رضي الله عنه قال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قال فقلت له كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي - هو - والله - خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له ورأيت فيه الذي رأى عمر قال زيد فقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على من ذلك فقلت كيف تعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدورهما فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة .